لقد تميز المجتمع الفلسطيني على مر العقود، وتحديداً أهلنا في قطاع غزة، بصفة وسجية استثنائية أبهرت المراقبين والعلماء حول العالم في التضامن الإنساني. إنها صفة "التكافل الاجتماعي العفوي الصادق". ففي أحلك الظروف وأشدها قسوة، وعندما تغيب المؤسسات والخدمات بفعل الحروب والدمار، ينهض المجتمع من تلقاء نفسه ليشكل "شبكات أمان ذاتية" متينة لا تقبل الاختراق أو الانكسار.
إننا نرى هذا الوجدان جلياً في التفاصيل اليومية البسيطة والعميقة: في تقاسم رغيف الخبز الحاف بين عائلتين، في اقتسام شربة الماء العذب، وفي فتح البيوت والمستودعات الضيقة لإيواء عائلات نازحة غريبة، لتضيق الجدران بساكنيها لكنها تتسع بقلوب أصحابها النبلاء. هذا ليس مجرد تصرف أخلاقي عابر، بل هو إستراتيجية بقاء مجتمعية أصيلة واعية تمثّل تطبيقاً حياً لحديث الرسول ﷺ: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد".
إن هذا التلاحم يحمي الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة في المجتمع، مثل الأطفال الأيتام، والأرامل، والجرحى، وكبار السن الذين فقدوا معيلهم. إن قوة أي مجتمع في العالم لا تقاس أبداً بارتفاع أبنيته أو بضخامة ثرواته، بل تقاس بمدى تماسك وشائجه الإنسانية وقت الشدة. طالما أننا نسند بعضنا بعضاً، ونقتسم لقمة العيش بالحب والرضا، فإن هذا المجتمع سيبقى عصياً على الفناء، قادراً على النهوض من تحت الركام في كل مرة.
الجسد الواحد: عبقرية التكافل الاجتماعي في الوجدان الغزي